مصطفى صادق الرافعي

103

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

يعجزه عدم القدرة . ولكن أعجزه القدر وهو لا يغالب والمرء ينسى ويذكر ، وقد يتراجع طبعه فترة لا عجزا ، وقد يعتريه السأم ويتخوّنه الملال ، فينصرف عن الشيء وهو له مطيق ، وذلك ليس أحقّ بأن يسمى عجزا من أن يسمى تهاونا ، ولا هو أدخل فيما يحمل عليه الضعف منه فيما يحمل عليه فضل الثقة « 1 » . على أن القول بالصرفة هو المذهب الفاشي من لدن قال به النظام ، يصوبه فيه قوم ويشايعه عليه آخرون ، ولولا احتجاج هذا البليغ لصحته ، وقيامه عليه ، وتقلده أمره ، لكان لنا اليوم كتب ممتعة في بلاغة القرآن وأسلوبه وإعجازه اللغوي وما إلى ذلك ، ولكن القوم - عفا اللّه عنهم - أخرجوا أنفسهم من هذا كله ، وكفوها مؤنته بكلمة واحدة تعلقوا عليها ، فكانوا فيها جميعا كقول هذا الشاعر الظريف الذي يقول : كأننا والماء من حولنا * قوم جلوس حولهم ماء . . . ولم نر أحدا فسّر هذه الكلمة ( الصرفة ) كابن حزم الظاهري ، فإنه قال في كتابه ( الفصل ) في سبب الإعجاز : « لم يقل أحد إن كلام غير اللّه تعالى معجز ، لكن لما قاله اللّه تعالى وجعله كلاما له ، أصاره معجزا ومنع من مماثلته . . . قال : وهذا برهان كاف لا يحتاج إلى غيره » . نقول : بل هو فوق الكفاية ، وأكثر من أن يكون كافيا أيضا ؛ لأنه لما قاله ابن حزم وجعله رأيا له ، أصاره كافيا لا يحتاج إلى غيره . . ! وهل يراد من إثبات الإعجاز للقرآن إلا إثبات أنه كلام اللّه تعالى ؟ . وعلى الجملة فإن القول بالصرفة لا يختلف عن قول العرب فيه : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ وهذا زعم رده اللّه على أهله وأكذبهم فيه وجعل القول به ضربا من العمى « 2 » أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ فاعتبر ذلك بعضه ببعضه فهو كالشئ الواحد . أما الجاحظ فإن رأيه في الإعجاز كرأي أهل العربية ، وهو أن القرآن في الدرجة العليا من البلاغة التي لم يعهد مثلها ، وله في ذلك أقوال نشير إلى بعضها في موضعه غير أن الرجل كثير الاضطراب ، فإن هؤلاء المتكلمين كأنما كانوا من عصرهم في منخل . . . ولذلك لم يسلم هو أيضا من القول بالصرفة ، وإن كان قد أخفاها وأومأ إليها عن عرض ، فقد سرد في موضع من كتاب ( الحيوان ) طائفة من أنواع العجز ، وردها في العلة إلى أن اللّه صرف أوهام الناس عنها ورفع ذلك القصد من صدورهم ، ثم عدّ منها :

--> ( 1 ) إطلاق الحرية للغير في معارضتنا ، هي الشرط الجوهري الذي يسوغ افتراض الصواب فيما نراه تقرير التحدي في القرآن وحكمة ذاك . انظر ( المعركة تحت راية القرآن ) . ( 2 ) عند أطباء العصر نوع من العمى يسمونه ( العمى اللوني ) وذلك أن يعتري العين اضطراب في البصر يمنعها تمييز بعض الألوان مع وضوحها ، فما أقرب هذا العمى أن يكون شبيها به في البصيرة .